حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )
80
رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي
فيسلك بكلّ أحد على طريق استعداده الخاصّ به ويخاطب كل واحد على قدر عقله ، فإذا رأى مريدا في مشهد ذاتيّ سمّاه بعبد الله ، إذ هو مقام من رأى - بصفات يقال لها ذات من حيثيّته جمعها وصفات من حيث تفرقتها - الحقّ تعالى من وراء الضدّين رؤية واحدة يتّحد فيها الرائي والمرئي ، فيرى اسمه عين مسمّاه وصفته عين موصوفه ، فإنّ من رأى الاسم والصفة غيره تعالى لم تصحّ له النسبة إليه بالعبودية الذاتية . أمّا إذا شهد الحقّ تعالى عين الأسماء والصفات بظهور أحديّة الذات صحّت له العبوديّة الذاتية التي هي الحريّة الحقيقية ، التي هي عدم تقيّد الباطن بشيء سوى الحقّ تعالى مطلقا من حيث هو سوى . وخلاصة هذه الحريّة أن لا يصدر عن صاحبها في حقّه ولا في غيره فعل لأجل نفسه ولا لأجل غيره ، بل للّه وحده بمعرفة تامّة وحضور تامّ . وإذا رأى مريدا في مشهد وجودي سمّاه بعبد الرحمن ، إذ الرحمة هي وجود ما بدا ، لأنّ ظهور ما ظهر إنّما كان بالرحمة الايجادية ، وقد علمت أنّ ما ثمّ إلّا الوجود ومراتبه وقد اقتسمه هذان الاسمان ، فأخذ الاسم اللّه المراتب وأخذ الاسم الرحمن الوجود . ولمّا كان اللّه جامعا لكلّ شيء وكان الرحمن جامعا لحقائق العالم وما يكون فيه ، لهذا قيل : « رحمن الدنيا والآخرة » 93 . ولهذا قيل لهم : « ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى » 94 ، وإنّما لم يقل فلهما لاتّحادهما في المدلولية ، فهما اسمان علمان للحقّ تعالى . ثمّ إنّ دعائهم إنّما هو تعلّقهم بالحقّ تعالى لمنافعهم على قدر معارفهم ، وهي عند اسمه الرحمن ، وهذا الاسم الرحمن يتضمّن جميع الأسماء الحسنى إلّا اللّه ، فإنّه له الأسماء الحسنى ، والرحمن وما يتضمّنه من الأسماء يتضمّنه الاسم اللّه . فكلّ من ينادي اللّه تعالى فإنّما ينادي منه الرحمن خاصّة ، وينادي من الرحمن الاسم الذي تطلبه الحقيقة الداعية إلى الدعاء . وإذا رأى الكامل مريدا مشهده من مرتبة أخرى من مراتب الأسماء الجزئية سمّاه بذلك الاسم المناسب لمقامه ومشهده كعبد الواحد وعبد اللطيف وعبد الجبّار وغير ذلك . جعلنا اللّه وإيّاكم ممّن يدعى في حضرة الجمع بعبد الجامع ، إذ هي حضرة الذات الجامعة للأسماء والصفات والأفعال والذوات .